أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري

29

تهذيب اللغة

حرم : قال شَمِر قال يحيى بنُ ميسرةَ الكلابيُّ : الحُرْمَةُ : المَهَابةُ . قال : وإذا كان للإنسان رَحِمٌ وكنَّ نستحي منه قلنا : له حُرْمَةٌ . قال : وللمسلم على المسلم حُرْمَةٌ ومهابَةٌ . وقال أبو زيد : يقال : هو حُرْمَتُك ، وهما حُرْمَتُك ، وهم حُرْمَتُك ، وهي حُرْمَتُك ، وهُنَّ حُرْمَتُك ؛ وهم ذوو رَحِمه وجارُه ومن يَنْصرُه غائباً وشاهداً ومن وَجَبَ عليه حقُّه . وقال مجاهد في قول اللَّه ( ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ ) [ الحَجّ : 30 ] حُرُماتِ اللَّه » فإن الحُرُماتِ مكةُ والحَجُّ والعمرة وما نهَى اللَّه عنه من معاصيه كلِّها . و قال عطاءٌ : حُرُمَاتُ اللَّه معاصي اللَّه . وقال الليثُ : الحَرَمُ حَرَمُ مكَّةَ وما أحاط بها إلى قريب من الحرم . قلت الْحَرَمُ قد ضُرِبَ على حدوده بالمَنَارِ القديمة التي بيَّن خليلُ اللَّه إبراهيمُ عليه السلام مَشَاعِرَها ، وكانت قريشٌ تعرِفُها في الجاهليةِ والإسلام ؛ لأنهم كانوا سكّانَ الْحَرَم ، ويعلمون أنّ ما دون المنار إلى مكة من الْحَرَم ، وما وراءَها ليس من الحرم . ولمّا بعث اللَّه جل وعز محمداً صلى اللَّه عليه وسلّم نَبِيّاً أقَرَّ قُرَيْشاً على ما عرفوه من ذلك . وكتب مع ابن مَرْبَع الأنصاريِّ إلى قَريش أن قرُّوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث إبراهيم ، فما كان دُونَ المنار فهو حَرَم ولا يحِلُّ صيدُه ، ولا يُقْطَع شجرُه ، وما كان وراء المنار فهو من الحلّ ، يحل صيدُه إذا لم يكن صائده مُحْرِماً . فإن قال قائلٌ من الملحدين في قول اللَّه جلّ وعزّ : ( أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ) [ العَنكبوت : 67 ] . كيف يكون حرماً آمناً وقد أُخيفُوا وقُتِلُوا في الْحَرَم ؟ فالجواب فيه أنّه جلّ وعزّ جعله حَرَماً آمناً أَمْراً وتعبُّداً لَهُم بذلك لا إجباراً ، فمن آمَنَ بذلك كَفّ عمَّا نُهِيَ عنه اتِّباعاً وانتهاءً إلى ما أُمِر به ، ومن أَلْحَدَ وأنْكر أَمْرَ الحَرَمِ وحرمَتهُ فهو كافر مُبَاح الدَّم ، ومن أَقَرَّ وركِبَ النَّهْي فصَادَ صَيْدَ الْحَرَم وقَتَلَ فيه فهو فاسق وعليه الكفَّارة فيما قَتَل من الصَّيْد ، فإنْ عادَ فإنَّ اللَّه ينتقم منه . وأمّا المواقيت التي يُهَلُّ مِنْهَا لِلْحجِّ فهي بعيدةٌ من حُدود الْحَرَم ، وهي من الْحِل ومن أَحْرَمَ منها بالحجّ في أشهر الحَجّ فهو مُحْرِمٌ مأمورٌ بالانتهاء ما دام محرماً عن الرفَث وما وراءَه من أمْرِ النساء ، وعن التطيُّبِ بالطيب ، وعن لُبْس الثوب المخِيط ، وعن صيْد الصَّيْدِ . وقال الليث في قول الأعشى : بِأجْيَادَ غَرْبِيَّ الصفا والمُحَرَّم قال : المحرَّم هو الْحَرَمُ ، قال والمنسوب إلى الحرم حِرْمِيٌّ . وأنشد : لا تأويَنَّ لحرميّ مررت به * يوماً وإن ألقى الحِرْميُّ في النار وقال الليثُ : إذا نسبوا غَيْرَ الناس قالوا ثوب حَرَميٌّ .